ارتبط التقويم الحميري (اليمني القديم) ارتباطاً وثيقاً بـ معالم الزراعة والأنشطة البشرية في اليمن منذ آلاف السنين. فقد كان اليمنيون القدماء بحاجة إلى نظام دقيق لحساب الفصول والمواسم لتنظيم الزرع والحصاد، وتدفق السيول، وبناء السدود ومدرجاتهم الزراعية الشهيرة.
إليك نظرة مفصلة حول العلاقة بين التقويم الحميري ومعالم الزراعة التقليدية:
أولاً: فلسفة التقويم الحميري الزراعي
التقويم الحميري في أصله تقويم شمسي، يعتمد على حركة الشمس لتحديد الفصول الأربعة بدقة، وهو ما يجعله متوافقاً تماماً مع المواسم الزراعية (على عكس التقويم القمري الذي تتنقل شهوره عبر الفصول).
بداية السنة الحميرية: تبدأ السنة الحميرية عادة في 22 أبريل (نيسان)، وهو التوقيت الذي يتزامن مع بداية فصل الربيع الفعلي، وهطول أمطار "العلّان" الأولى، وبدء تجهيز الأرض للزراعة.
أسماء الشهور: حملت الشهور الحميرية أسماءً مشتقة من الطبيعة والزراعة، مثل شهور الحصاد، أو شهور الخصب، أو شهور البرد الشديد.
ثانياً: معالم الزراعة (الأنواء والمواسم)
تُعرف مواسم الزراعة في الموروث اليمني بـ "المعالم" أو "الأنواء". ويبلغ عدد المعالم الزراعية الرئيسية في السنة 12 معلماً، قُسمت بناءً على النجوم وحركة الشمس، وتتحكم بشكل كامل في مواعيد الحرث وبذر البذور وحصاد المحاصيل.
من أبرز هذه المعالم الزراعية المرتبطة بالتقويم والموروث الحميري:
1. مواسم القيظ والصيف (مواسم البذر والنمو)
ظافر (أول وثاني): من أهم معالم الزراعة، وفيه تبدأ الأمطار الصيفية الغزيرة، ويُقال في المثل الشعبي: "إن امطرَتْ ظافر، فالبلاد عامر". وهو موسم بذر الحبوب مثل الذرة الرفيعة والشام والقمح.
حَميم: يتسم بارتفاع الحرارة والرطوبة، وهو موسم نمو المحاصيل وتفقد السدود والقنوات.
2. مواسم الخريف (مواسم النضج)
العلّان: يبدأ في أواخر الصيف وبداية الخريف، وفيه يكتمل نمو الزرع وتظهر السنابل، وتخف حدة الأمطار وتتحول إلى شبورة وضباب مغذٍ للنباتات.
السَّلام: معلم تتوقف فيه الأمطار تقريباً، وتبدأ المحاصيل بالجفاف التدريجي استعداداً للحصاد.
3. مواسم الشتاء (مواسم الحصاد والراحة)
الصِّرَاب: وهو المعلم الأبرز للحصاد في اليمن. وفيه تُجنى ثمار الذرة والبر (القمح) والشعير. ويرتبط هذا المعلم بأهازيج شعبية حميرية قديمة تُغنى أثناء العمل الجماعي.
العشيرة والبرد (أيام القران): مواسم البرد الشديد (الجفاو والضريب) حيث تدخل الأرض في فترة راحة، ويقوم المزارعون بتقليب التربة ("الشريب") لتهويتها وقتل الآفات استعداداً للموسم الجديد.
ثالثاً: أمثلة من الشهور الحميرية ودلالاتها الزراعية
توضح أسماء الشهور في النقوش المسندية القديمة هذا الارتباط:
| الشهر الحميري | المقابل التقريبي | الدلالة الزراعية |
| ذو الثابة | أبريل | بدء موسم الخصب والنهوض الزراعي |
| ذو المبكر | مايو | التبشير بالزراعة والبذر المبكر |
| ذو القيظ | يونيو | اشتداد الحرارة ونمو المحاصيل |
| ذو المذرأ | يوليو | بذر الأنواع المتأخرة من الحبوب |
| ذو الخراف | سبتمبر | موسم جني الفواكه والثمار (المخرف) |
| ذو الصراب | أكتوبر / نوفمبر | الموسم الأكبر لحصاد الحبوب وقص السنابل |
رابعاً: الفلك الزراعي والموروث الشعبي
استمر المزارع اليمني في استخدام "علم الفلك الزراعي" المتوارث من الأجداد الحميريين عبر ما يُعرف بـ "حساب العلي" أو "حساب الجُبّاني" وقصائد علي ولد زايد (الحكيم اليماني)، والتي تعد صياغة شعبية منظومة للتقويم الزراعي الحميري القديم.
"لا تزرع إلّا بظافر، أو في مَعلَم نيسان"
"حصاد الصراب، يغطي الشعاب"
